لم يكن الثامن من شوال سنة 1344هـ يومًا عابرًا في وجدان المسلمين، بل كان لحظةً ثقيلة انكسر فيها شيءٌ عميق في القلب. في ذلك اليوم، لم تُهدم حجارة فحسب، بل سقطت معالم كانت تختزن تاريخًا من الحب والوفاء، وامتدادًا لذكرياتٍ ارتبطت بأئمةٍ ملأوا الدنيا علمًا وصبرًا ونورًا. هناك، في البقيع، كانت القباب تقف كأنها تحرس السكون، وتروي بصمتٍ حكاياتٍ عن الإمام الحسن، وزين العابدين، والباقر، والصادق عليهم السلام. لم تكن مجرد بناءٍ من طينٍ وحجر، بل كانت رمزًا لعلاقةٍ وجدانية بين الأمة وأهل بيت نبيها (صلى الله عليه وآله). علاقة لا تُقاس بالشكل، بل بما تحمله من محبةٍ متجذّرة في القلوب. وحين أُزيلت تلك القباب، شعر المؤمنون أن شيئًا من ذاكرتهم قد أُخذ منهم. لم يكن المشهد مجرد تغييرٍ في معالم مكان، بل كان فَقْدًا موجعًا لرمزٍ طالما احتضن الدعاء والدموع والحنين. وقد رأى المؤمنين في ذلك الفعل خطأً قاسيًا، إذ لم تُراعَ فيه حرمة المكان ولا مكانة من يرقد فيه.
ومنذُ ذلك الحين، والبقيع يعيش بصمتٍ ثقيل… أرضٌ بلا ملامح، لكنها مثقلة بالذكريات. زائره يقف حائرًا، كأنما يبحث عن أثرٍ يواسي قلبه، أو علامةٍ تُعيد إليه شيئًا من الطمأنينة. لكنه لا يجد سوى الفراغ… فراغٍ يختصر حجم الألم. ومع ذلك، لا ينطفئ الأمل. في عمق هذا الحزن، تنبض قلوب المؤمنين برجاءٍ كبير، بأن يعود للبقيع بهاؤه، وأن تُعاد لتلك القبور هيبتها التي تليق بها. أملٌ يرتبط بوعدٍ موعود، بظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، ليعيد للأماكن قدسيتها، وللذكريات حقّها، وللقلوب بعض سكينتها. فالبقيع اليوم ليس مجرد أرضٍ صامتة… بل هو جرحٌ مفتوح في الذاكرة، ودعاءٌ لا ينقطع، وحنينٌ يمتد عبر السنين… ينتظر الفرج.
أقامت جامعة أمّ البنين (عليها السلام) النسوية الإلكترونية مجلس عزاءٍ إحياءً لذكرى استشهاد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وذلك ضمن برنامج الختمة القرآنية المباركة التي تقيمها الجامعة خلال شهر رمضان المبارك.
وتخلل المجلس كلماتٌ استذكرت عظمة هذه المناسبة الأليمة وما تحمله من دلالاتٍ إيمانية وتربوية في سيرة الإمام علي (عليه السلام)، مستعرضةً مواقفه في نصرة الإسلام وتجسيده لقيم العدالة والعبودية الخالصة لله تعالى.
ويأتي هذا المجلس ضمن الفعاليات الروحية المصاحبة للختمة القرآنية اليومية التي تنظمها الجامعة إلكترونيًا، في إطار سعيها إلى إحياء المناسبات الدينية وتعزيز الوعي بسيرة أهل البيت (عليهم السلام) لدى الطالبات والمشاركات.
"استثمار ذكرى استشهاد الإمام علي في تربية الأبناء"
تُعدّ ذكرى استشهاد الإمام علي عليه السلام من المناسبات المهمة التي تحمل في طياتها الكثير من الدروس والقيم التربوية. فهي ليست مجرد مناسبة للحزن واستذكار حادثة تاريخية، بل فرصة تربوية ينبغي للوالدين اغتنامها لتعريف أبنائهم بشخصية عظيمة كان لها أثر كبير في تاريخ الإسلام والإنسانية.
يمثل الإمام علي عليه السلام نموذجًا متكاملاً للإنسان المؤمن؛ فقد عُرف بشجاعته في الدفاع عن الحق، وعدله بين الناس، ورحمته بالفقراء والمحتاجين، إضافة إلى علمه الواسع وقربه الكبير من النبي محمد صلى الله عليه وآله. وهذه الصفات تجعل من سيرته مدرسة تربوية غنية يمكن أن يستفيد منها الأبناء في بناء شخصياتهم وأخلاقهم.
ومن هنا تأتي مسؤولية الوالدين في تعريف أطفالهم بهذه الشخصية العظيمة بأسلوب بسيط ومحبب يتناسب مع أعمارهم. فبدلاً من أن تبقى هذه المناسبة مجرد أجواء حزن تمر سريعًا، يمكن للوالدين أن يحولوها إلى فرصة للحوار والتعلّم، فيتحدثوا مع أبنائهم عن مواقف الإمام علي عليه السلام، وعن عدله وشجاعته، وعن حبه للناس وخدمته للفقراء.
كما أن إشراك الأبناء في حضور مجالس العزاء أو إقامتها في المنزل يترك أثرًا عميقًا في نفوسهم، إذ يشعر الطفل من خلال هذه الأجواء بقدسية المناسبة وأهميتها. وعندما يرى والديه يحيون هذه الذكرى باحترام وخشوع، يغرس ذلك في قلبه محبة الإمام علي عليه السلام وأهل البيت عليهم السلام بطريقة طبيعية وعميقة.
ولا يقتصر الأمر على نقل المعلومات فقط، بل ينبغي ربط سيرة الإمام علي عليه السلام بسلوكيات الحياة اليومية. فعندما يتعلم الطفل أن الإمام علي كان عادلاً وصادقًا ومحبًا للخير، يمكن للوالدين أن يوجها أبنائهم لتطبيق هذه القيم في تعاملهم مع الآخرين، سواء في البيت أو المدرسة أو المجتمع.
إن تربية الأبناء على معرفة الشخصيات الصالحة والقدوة الحسنة تُسهم في بناء جيل واعٍ يحمل القيم الإنسانية النبيلة. ولذلك فإن تعريف الأطفال بسيرة الإمام علي عليه السلام منذ الصغر يُعد خطوة مهمة في غرس مبادئ العدل والرحمة والشجاعة في نفوسهم.
تمثل ذكرى استشهاد الإمام علي عليه السلام فرصة ثمينة للوالدين لغرس محبته في قلوب أبنائهم، وتعليمهم أن الاقتداء بأخلاقه وسيرته هو أعظم تعبير عن الوفاء له، وأفضل طريق لبناء إنسان صالح يخدم دينه ومجتمعه.
✏️: إسراء جاسم