في مساءٍ رمضانيٍ هادئ، كانت رائحة الهيل وماء الورد تعبق في أرجاء البيت، والأم تقف في المطبخ ترتّب صينية "الماجينا" بعنايةٍ ومحبة. صفّت الحلوى الملوّنة، وزيّنتها بشرائط خضراء وورود صغيرة، ثم وضعت شمعةً رفيعة في وسطها، كأنها تستعد لتروي حكاية نور.
وقف الطفل مجتبى، ذو الخمسة أعوام، عند باب المطبخ، يراقب بصمتٍ وفضول. اقترب بخطواتٍ صغيرة، وسأل بصوتٍ بريء:
— ماما… لماذا كل هذا الجمال؟ ولماذا نصنع هذه الصينية؟
التفتت إليه الأم، وابتسمت ابتسامةً حانية، وقالت:
— لأن الليلة يا حبيبي، ليلةٌ عظيمة… إنها ذكرى ولادة الإمام الحسن المجتبى عليه السلام.
رفع مجتبى رأسه، وسأل بفضولٍ أكبر:
— ومتى وُلد؟
جلست الأم قربه، وربتت على كتفه، وقالت بصوتٍ مفعمٍ بالخشوع:
— وُلد في الخامس عشر من شهر رمضان المبارك، في السنة الثالثة للهجرة… في مدينةٍ طاهرة اسمها المدينة المنورة.
ثم أضافت وكأنها ترى المشهد أمامها:
— في ذلك اليوم المبارك، امتلأ بيت الإمام علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء عليهما السلام بالنور، فقد رزقهما الله طفلاً مباركاً. حمله والده بين يديه، وذهب به إلى جده العظيم، النبي محمد صلى الله عليه وآله.
توقفت الأم لحظة، ثم تابعت:
— احتضنه النبي بحبٍ كبير، وأذّن في أذنه، واختار له اسماً لم يُسمَّ به أحدٌ من قبل… سماه: الإمام الحسن المجتبى… ليكون اسماً يليق بقلبٍ سيملؤه الخير.
سأل مجتبى بصوتٍ ناعم:
— وهل كان يحب الناس؟
ابتسمت الأم وقالت:
— نعم يا صغيري… كان يحب الناس كثيراً، ويساعد الفقراء، ويعطي بسخاء، وكان طيب القلب، رحيماً، كريماً… حتى أصبح مثالاً لكل من يريد أن يكون إنساناً صالحاً.
نظر مجتبى إلى الشمعة المضيئة، ثم قال:
— وهل نحتفل اليوم لنفرح بولادته؟
أجابت الأم:
— نعم… لأن ولادته كانت ولادة نورٍ للإنسانية… ونحن عندما نحتفل، نتذكر أخلاقه، ونتعلم أن نكون طيبين مثله.
أمسكت بقطعة حلوى، وقدمتها له، وقالت:
— كل عملٍ طيب تفعله، هو احتفالٌ حقيقي بهذه المناسبة.
أخذ مجتبى الحلوى، ونظر إلى الضوء الصغير المتوهج في الشمعة، وشعر بدفءٍ غريب في قلبه، وكأن تلك الحكاية لم تكن عن الماضي فقط… بل عن شيءٍ يمكن أن يعيش في داخله أيضاً.
في تلك الليلة... لم يكن البيت وحده مضيئاً… بل كان هناك نورٌ آخر يولد بهدوء… نورٌ بدأ في الخامس عشر من رمضان قبل قرون، وما زال يشرق في القلوب التي تختار طريق الخير.
✏️: إسراء جاسم