منذ أن خلق الله تعالى الإنسان، أولى للحالة النفسية أهمية كبيرة؛ لما لها من أثر بالغ في قلبه ومزاجه وسلوكه، وبالتالي في عبادته وعلاقته بربه، فالإنسان يمر بحالات نفسية متعددة تبعاً للظروف والمواقف التي يواجهها، فقد يكون سعيداً أو متفائلاً، وقد يعتريه الحزن أو الاكتئاب، ويُعدّ الجزع من أشد صور الحزن والاضطراب النفسي وأقساها على الإنسان.
وروي عَن جابر عن الإمام الباقر عليه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ مَا الْجَزَعُ؟
قَالَ: "أَشَدُّ الْجَزَعِ الصُّرَاخُ بِالْوَيْلِ وَالْعَوِيلِ وَلَطْمُ الْوَجْهِ وَالصَّدْرِ وَجَزُّ الشَّعْرِ مِنَ النَّوَاصِي، وَمَنْ أَقَامَ النُّوَاحَةَ فَقَدْ تَرَكَ الصَّبْرَ وَأَخَذَ فِي غَيْرِ طَرِيقِهِ، وَمَنْ صَبَرَ وَاسْتَرْجَعَ وَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ رَضِيَ بِمَا صَنَعَ اللَّهُ وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهوَ ذَمِيمٌ وَأَحْبَطَ اللَّهُ تَعَالَى أَجْرَهُ"(1).
ونرى البعض عند المصيبة صابراً محتسباً، لكن للأسف الشديد لا يخلو الحال عند البعض من الناس عندما يمرون بظروف صعبة يبدؤون باللطم والبكاء خصوصاً عند فقد الأحبة أو الخسائر المالية الكبيرة، وهذا هو الجزع الذي نها عنه الإمام (سلام الله عليه) ولكن بالمقابل يوجد جزع مستحب؛ وهو الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام)، منها: ما ورد عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): "كلّ الجزع والبكاء مكروه، سوى الجزع والبكاء على الحسين (عليه السلام) (2)"
ومنها خبر مسمع البصري: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): " أما تذكر ما صُنع به الحسين؟ قلت: نعم. قال: فتجزع؟
قلت: إي واللهِ، واستعبر لذلك، حتّى يرى أهلي أثر ذلك عليّ، فامتنع عن الطعام، حتـّى يستبينَ ذلك في وجهي، قال (عليه السلام): رحم الله دمعتك، أما إنك من الذين يُعدّون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنّا" (3).
ومن مصاديق جواز الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام) ما قاله دعبل في محضر الإمام الرضا (عليه السلام)، مع سكوت المعصوم وإقراره دليل على رضاه عن الجزع، هو قول الشاعر:
أفاطم لو خلت الحسين مُجدّلاً * وقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ
اذاً للطمتِ الخَدّ فاطمُ عنده * وأجريت دمع العين في الوجناتِ(4)
واللطم هنا هو باب من أبواب الجزع، ولا ننسى ماروي عن الإمام جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: "نَظَرَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلَى اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هُوَ مُقْبِلٌ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ وَ قَالَ إِنَّ لِقَتْلِ اَلْحُسَيْنِ حَرَارَةً فِي قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ لاَ تَبْرُدُ أَبَداً"(5).
-------------------------
1) الکافي ج۳ ص۲۲۲
2) أمالي الطوسي: 162 حديث (20) المجلس السادس.
3) كامل الزيارات - ط مكتبة الصدوق، ج 1، ص 108 | ابن قولويه القمي.
4) من ادب الطف...6 (أَفاطِمُ لَوْ خِلْتِ الْحُسَيْنَ مُجَدَّلا) دعبل الخزاعي.
5) مستدرك وسائل الشيعة: 10 / 318.
بقلم: عهود العارضي