رائد التمهيد وباب الغيبة
رائد التمهيد وباب الغيبة قراءة في المنهج الإصلاحي للإمام العسكري (عليه السلام) بقلم: فاطِمة نجاح تتصل سيرة الإمام الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) بكونها واحدة من أكثر المحطات الحساسة والمفصلية في التأسيس الفكري والاجتماعي لمذهب أهل البيت، حيث شكلت إمامته التي لم تتجاوز ست سنوات جسراً استراتيجياً نُقلت من خلاله الأمة من مرحلة الحضور المباشر للمعصوم إلى رحاب الغيبة والانقطاع الحسي. لقد وجد الإمام العسكري نفسه محاصراً في عاصمة العباسيين "سامراء" تحت الإقامة الجبرية والرقابة العسكرية المشددة التي فرضها ملوك بني العباس لمعرفتهم بكونه الامتداد الطبيعي لخط الإمامة والممهد المنتظر للولد الموعود، إلا أن هذه التحديات الأجنبية لم تمنعه من إدارة شؤون الطائفة باقتدار وحكمة عاليتين. واجه الإمام العسكري هذا الحصار المضروب حوله بابتكار منهجية تنظيمية مرنة تمثلت في تفعيل "نظام الوكالة"، وهو شبكة سريّة من الثقات جرى توزيعها ببراعة على مختلف الأقاليم والمراكز الإسلامية النائية لربط القواعد الشعبيّة بمرجعيتها، معتمداً على المكاتبات والرسائل الناجزة لتسيير الشؤون الفقهية والمالية، وهو ما ضرب أروع الأمثلة في التنظيم السري ودرّب المؤمنين عملياً على تدبير أمورهم عبر الوسائط استعداداً لعهد الغيبة الوشيك. وعلى الصعيد الفكري والمعرفي، لم تكن مواجهة الضغوط السياسية لتشغل الإمام عن الوقوف بصلابة أمام الهزات العقائدية والتيارات الكلامية المنحرفة التي عصفت بالمجتمع الإسلامي آنذاك؛ حيث كبح جماح الفلسفات الوافدة وإشكاليات الشك والتشكيك، وتصدى لموجات الغلو والتفويض عبر تأصيل المنهج المعرفي المتزن المنقول عن آبائه الطاهرين. وفي هذا السياق ركّز الإمام العسكري (عليه السلام) على حماية النصوص والتفاسير وحث أصحابه على التدوين وضبط الرواية، مستنداً إلى تثبيت القواعد التي تتيح للفقهاء استنباط الأحكام الشرعية، وهو ما تتجلى أبعاده بوضوح في النص التاريخي الخالد المقرّ لمرجعية الفقهاء الجامعين للشروط والداعي لتقليدهم، ليضع بذلك الحجر الأساس لبناء المؤسسة المرجعية المسؤولة عن حفظ الدين في أعصار الغيبة. أمّا التكليف الأكبر والمهمة التاريخية الأعظم التي اضطلع بها الإمام الحسن العسكري (عليه السلام)، فتجسدت في التمهيد الدقيق لولادة نجله الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) وإدارة مرحلة الانتقال العقائدي نحو الغيبة بحذر بالغ؛ فقد تطلبت هذه المرحلة موازنة عبقرية بين الكتمان الشديد لحماية الوليد المبارك من أيدي السلطة الحاكمة التي كانت تترصد ولادته بكل ظمأ، وبين إشهاده للخواص والمقربين من كبار شيوخ الطائفة لإقامة الحجة وإثبات حقيقة وجوده. ولم يقتصر دوره على التمهيد المادي فحسب، بل امتد ليتناول البناء النفسي والإيماني للشيعة عبر بياناته الحثيثة على الصبر والانتظار وتعميق فكرة الغيبة وأسبابها، متوجاً سلفه الشريف بترك وصايا جليلة تؤكد على الصدق والأمانة وحسن الجوار لتعكس النموذج الأخلاقي الأسمى للمؤمنين. وتؤكد أمهات المصادر أن الحركة الإصلاحية للإمام العسكري لم تكن مجرد قيادة مرحلية، بل كانت صياغة كاملة لخارطة طريق أخرجت الأمة من صدمة احتجاب المعصوم وأهّلتها لاستدامة الوجود العقائدي والفكري عبر التاريخ. المصادر: -الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد – الشيخ المفيد (ت 413 هـ)، فصل في تاريخ الإمام العسكري ومناقبه. -الغيبة – الشيخ الطوسي (ت 460 هـ)، فصل نظام الوكالة والنصوص على الغيبة. -إعلام الورى بأعلام الهدى – الشيخ الطبرسي (ت 548 هـ)، الجزء الثاني، باب الإمام الحسن العسكري (عليه السلام).
(عزيزةُ أبيها في رعايتهِ حياً وميتاً)
بقلم:إيمان صاحب (عزيزةُ أبيها في رعايتهِ حياً وميتاً) كثيرة هي الجوانب التي تثير المشاعر، في قصةِ الطفلة رقية -عليها السلام- غير أن(رعاية) الحسين عليه السلام لها أثناء المعركة في كربلاء وبعدها، تصرف الذهن إلى مزيدٍ من التدبر، وتجعل الرؤيا المفجعة حاضرة، فالحسين -عليه السلام - حين هجم على خيامهِ الأعداء لما قتل أهله واصحابه، وكما يذكر أرباب المقاتل في كتبهم إنه -عليه السلام- (نادى بأعلى صوته يا اختاه يا أمّ كلثوم وأنتِ يازينب وانتِ يارقية وأنتِ يافاطمة وأنتِ يارباب.....أنظرن إذا أنا قتلت فلا تشقنّ عليّ جيباً ولاتخمشن عليّ وجهاً....)وفي وصية أخرى له سلام الله عليه لإخته زينب -عليها السلام- ( الله الله برقية )وذكروا أيضاً أنه كثيراً ماكان يضمها إلى صدرهِ ويحدثها بحنان، برغم من تلك المصائبٍ العظيمة، والمتاعب الشديدة، التي كان يمر بها في ذلك الوقت، هذا كله في حياته -سلام الله عليه- اما بعد قتله بتلك الصورة المفجعة، التي اقشعرت لها اظلة العرش، وبكت عليها السماء والأرض دماً، أمر بن سعد بحملِ عياله سبايا إلى الكوفة ثم إلى الشام، يتقدمهم رأسه الشريف، مع رؤوس المستشهدين، معه فوقَ الرماح ففي ذلك الطريق الطويل، ما كان جيشُ الأعداء الذي يواكبهم يسمح للسبايا بالراحة، إلا حينَ ارادوا هم الراحة لأنفسهم، وبمجرد أنّ يرتاحوا بها، يبادرون النساء والأطفال بالسياط، فيضربوهم بها، وذات مرة نهض الجند بسرعة وبدأوا بالسير، وإذا بالرمح الذي عليه رأس الحسين -عليه السلام- قد توقف وكلما أرادوا تحريكه لم يتحرك، فحاولوا نزع الرأس الشريف عنه فما استطاعوا، وتحيروا في أمرهم ولم يروا بداً، حتى سألوا الإمام زين العابدين -عليه السلام - عنه فلما سألوه قال: لهم تفقدوا العائلة فلعل أحد الأطفال قد ضاع، وبعد الفحص لم يجدوا رقية -عليها السلام- فعاد السؤال مرة ثانية من الإمام ، عن مكان وجودها؟ فاجابهم -عليه السلام- انظروا رأس ابي الحسين اين ينظر، وابحثوا عنها هناك، فكان كما قال: -سلام الله عليه- ولم تكن هذه النظرة الأولى ولا الإلتفات الوحيدة، من الرأس الشريف إتجاه رقية -عليها السلام- وسائر السبايا بل كانت عيناه مفتوحة على الجميع، منذُ بدء المسير، وحتى إدخالهم في قصر الطاغية يزيد، كما كان يبدو عليهما شدة التأثر والغضب عند ضرب طفل أو طفلة خصوصاً رقية -عليها السلام-و قبلَ إدخالهم القصر، أمر يزيد لعنه الله بتوقفهم أمام دروازة الشام ثلاثة أيام، حتى ينتهي النّاس من تزيين المدينة وهناك صلب الرأس على شجرة ولما جن الليل ونام الجميع يقول: الحارث وهو احد قادة جيش يزيد، شاهدت طفلة صغيرة تقوم وتقعد من الخوف، ثم تقدمت نحو رأس الحسين وهي تنظر اليه، وتخاطبه ودموعها تجري، وما هي إلا لحظات قليلة، وإذا برأس ينزل من على الشجرة، حتى وصل إلى مقابلِ الطفلة فخاطبته قائلة: السلام عليك يا ابتاه وامصيبتاه بعد فراقك واغربتاه بعد شهادتك، وإذا برأس يجيبها بلسانٍ فصيح قائلاً: بنيتي إن مصيبتك وشدة المحن وضرب السياط، وعذاب الأسر تنقضي ،بعد أيام قليلة ، فإنك صائرة إلينا عن قريب، فاصبري لتنالي مقام الشفاعة. ثم يكمل الحارث ان منزلي قريب من خربة الشام، لذلك كنت انتظر، متى ترحل هذه الطفلة،  من الدنيا إلى أن سمعت في إحدى الليالي صراخ وبكاء وعويل فسالت ما الخبر قالوا إن رقية قد ماتت.1 وكان ذلك اليوم في الخامس من شهرِ صفر، بعدما رأت أباها الحسين -عليه السلام- في المنام فانتبهت من نومها، تصرخ وتقول: إني رأيته مضطرباً شديداً آتوني بوالدي... وقرة عيني وكلما أراد اهل البيت إسكاتها، إزدادت حزناً وبكاء، ولبكائها هذا حزن أهل البيت -عليهم السلام- فأخذوا يبكون ويصيحون فلما سمع يزيد ذلك، وعلم بالخبر قال: أرفعوا إليها رأس أبيها فاتوا به، في طشتٍ مغطى بمنديلٍ ووضعوه بين يديها، فلما رفعت المنديل ضمته إلى صدرها وهي تقول: من ذا الذي خضبك بدمائك، يا ابتاه من ذا الذي قطع وريدك، يا ابتاه من ذا الذي يتمني على صغر سني يا ابتاه من لليتيمة حتى تكبر، يا ابتاه ليتني وسدت التراب ولا أرى شيبك مخضب بالدماء، ثم وضعت فمها على فمه وبكت حتى اخشي عليها، فقال: زين العابدين عليه السلام لعمته زينب- سلام الله عليها- عمة ارفعي الطفلة فلقد فارقت الحياة، وهكذا كانت رعاية الإمام الحسين -عليه السلام- لها حياً وميتاً حتى وفى بوعده بلقاءٍ لا فراق بعده، كما وفى بذلك جده المصطفى صلى الله عليه واله لبنته الزهراء -سلام الله عليها- حين اخبرها بأنها «اول أهله لحوقاً به » فسلاماً على الجدة و شريكتها بالحزن الذي نطق حقاً بمظلوميته وهدد الطاغي في عقرِ قصره . ــــــــــــــــــــــــــــــــــ ١/ اولا كتاب حضره رقيه صفحه 26/2 2/كتاب بحر الغرائب
ثائر الكرامة
ثائر الكرامة                        للكاتبة حنان حسين          على جذع نخلةٍ وجرفِ ماء ، قصةُ بطلٍ وحكايةُ ولاء، نخلةٌ نبتَت على بقعةٍ مِن بلدٍ جاءَهُ الامامُ الحسينُ عليه السلام  فأصبحَ خالداً بخلوده ، هذه النخلة تشهدُ على قومٍ أراقو دماءَ ذريةِ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وتشهدُ لرجلٍ من صلبِ سيد الشهداءعليه السلام دَعا الى الرضا مِن آلِ محمدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فكانَ صوتَ الحقِ الذي يأبى إلاّ أن يكونَ جرساً يُنذِرُ الظالمينَ أنّ اللهَ لهم بالمرصاد . زيدُ الشهيد عليه سلام الله ورضوانه ، قمة سامقة برزت كعلم من أعلام الولاء وصوت صادح بالحق في زمن تطاول فيه عنق الباطل طمعا في أن يستحكم، فعلت صرخة هذا الصنديد بوجه جور بني أمية لتعلن أن الحقَ لا يرضخ للباطل أبداً. . ثائرُ هاشمي احتلَ منزلةً عاليةً ومقاماً رفيعاً عندَ اهلِ البيت عليهم السلام فقد وردَ عنهم سلام الله عليهم شهاداتٍ في حقّهِ وعلوِ مقامهِ وإيمانهِ وصدقهِ وعقيدتهِ ويقينهِ ، ومِن أبرزِ وأشهرِ الأقوالِ ما جاءَ عن صادقِ العترة عليه السلام ( رَحِمَ اللهُ عمّي زيدا إنه دِعا الى الرّضا من آلِ محمّد ، ولو ظفرَ لَوفى بِما دعا اليه ، وقد استشارني في خروجِه فقلتُ له يا عم إن رَضيتَ أن تكونَ المصلوب بالكناسة فشأنك) 1 فكلماتُ الإمامِ عليه السلام تكشفُ لنا عن عمقِ إيمانه وإخلاصه لإمام زمانِه وأنه لم يكن طالباً لسلطانٍ أو رئاسةٍ بل كانت دعوتُه دعوةَ حقٍ مطالباً فيها إحياءَ أمرِ آل بيتِ النبوة . وكذلك ما ورد عن الإمام الباقر عن آبائه عن أمير المؤمنين عليهم السلام قال: "قال رسول الله صلى الله عليه وآله للحسين: ياحسين، يخرج من صلبك رجل يقال له زيد، يتخطى هو وأصحابه يوم القيامة رقاب الناس غرا محجلين، يدخلون الجنة بلا حساب) 2 أما عن ثورته فقد اختلف الكلام فيها والشيء المتيقن أنه لم يفجر ثورته الإصلاحية بطرا ولا مفسدا ، وإنما كان يرجو وجه الله ، ويبتغي الدار الآخرة ، فقد رأى ظلماً وجورا ، ورأى حكام بني أمية لم يبقوا لله حرمة إلا انتهكوها ، فخرج داعيا الى الله ، مطالبا بالحق . ولم يكن هذا البطل الهاشمي يدعو الناس إلى نفسه بل خرج كجدّه سيد الشهداء يأمر بالمعروف ويوقظ ضمائر الناس أمام ظلم وجبروت بني أمية ، فثورته المباركة ونهضته الخالدة كانت إمتدادا لخط أهل البيت عليهم السلام في مقارعة الباطل وتحقيق العدل ومواجهة الفساد والانحراف والظلم والطغيان. وسيبقى هذا الشهيد العظيم نوراً وضاءً في صفحات سجل الخالدين وشعلةً مُتقِدةً على جبين التأريخ وعلماً بارزاً ورمزاً حقاً للشهيد الذي باع دنياه واشترى آخرته، فصَلْبُهُ على جذع نخلة جعل من شخصهِ نوراً يسير خلفه الثابتون على الهدى، أحرقو جثته ليذروها ويمحو وجودها وماعلموا أنهم احرقوا أنفسهم في دار الدنيا قبل الآخرة. ذرّو جسده الطاهر فملأ الهواء والفضاء ونشر عبير الجهاد ليستنشق السائرون على نهجه قوة عزيمته وشدة بصيرته وعمق بسالته، فهو عالم مجاهد لا ينطق الا بالصدق ولا يتفوه إلا بالحق وكان هدفه من ثورته إرجاع الحق المغتصب الى أهله،  لذلك خلد اسمه وبقي ذكره وأصبح منارا يستضيئ بنوره السائرون على درب الهدى فكان بحق بطل العزة وفارس الإباء وثائر الكرامة .   1 بحار الانوار ج 46 ص 174 2 عيون اخبار الرضا ع ج 1 ص 226
منبر الدعاء ومنهج الإصلاح بقلم: براءة محمود العداي
منبر الدعاء ومنهج الإصلاح: قراءة معاصرة في فكر الإمام زين العابدين (عليه السلام) بقلم: براءة محمود العداي. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، شكّلت مرحلة ما بعد واقعة الطف منعطفًا خطيرًا في تاريخ الأمة الإسلامية، إذ لم تقتصر آثارها على الجانب السياسي، بل امتدت إلى البنية الفكرية والأخلاقية والاجتماعية للمجتمع الإسلامي. وفي خضم هذه الظروف برز الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) بوصفه قائدًا ربانيًا حمل مسؤولية إعادة بناء الإنسان المسلم، فاختار منهجًا إصلاحيًا هادئًا يقوم على ترسيخ العقيدة، وتهذيب النفس، وإحياء القيم الإسلامية من خلال الدعاء والمناجاة، ولم يكن الدعاء عنده مجرد وسيلة للتعبد، وإنما أصبح خطابًا تربويًا وثقافيًا، ومنبرًا للإصلاح الشامل، استطاع من خلاله أن يصنع وعيًا إيمانيًا حافظ على هوية الأمة في مرحلةٍ كانت من أشد مراحلها اضطرابًا، ولهذا اكتسبت الصحيفة السجادية مكانةً علميةً وروحيةً رفيعة، حتى عُرفت بين العلماء بـ«زبور آل محمد»، لما تضمنته من معارف عقدية، وأبعاد أخلاقية، وإصلاحات تربوية واجتماعية، تعكس رؤية الإمام (عليه السلام) لبناء الإنسان الصالح والمجتمع المتماسك، ويهدف هذا المقال إلى بيان معالم المنهج الإصلاحي في فكر الإمام زين العابدين (عليه السلام)، من خلال الوقوف على مضامين الصحيفة السجادية، وبيان امتداداتها التربوية والاجتماعية، وقراءتها قراءةً معاصرة تستجيب لتحديات الواقع. أولًا: الدعاء مناجاةٌ لله ومنهجٌ لإصلاح الإنسان يقوم المشروع الإصلاحي للإمام زين العابدين (عليه السلام) على مبدأٍ أساس، وهو أن إصلاح المجتمع يبدأ بإصلاح الإنسان، وأن القلب إذا استقام استقامت الجوارح، وإذا صلحت النفس صلح السلوك. ولذلك جاءت أدعية الصحيفة السجادية لتربي الإنسان على المراقبة الذاتية، ومحاسبة النفس، وتعميق الإيمان، وربط العمل بالإخلاص ، ومن أبلغ النصوص الدالة على ذلك ما جاء في دعاء مكارم الأخلاق: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَبَلِّغْ بِإِيمَانِي أَكْمَلَ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْ يَقِينِي أَفْضَلَ الْيَقِينِ، وَانْتَهِ بِنِيَّتِي إِلَى أَحْسَنِ النِّيَّاتِ، وَبِعَمَلِي إِلَى أَحْسَنِ الْأَعْمَالِ». ويكشف هذا الدعاء أن الإصلاح في منظور الإمام (عليه السلام) يبدأ من الداخل؛ إذ يربط بين الإيمان واليقين والنية والعمل، وهي المكونات الأساسية للشخصية المؤمنة، ومن هنا فإن بناء الإنسان لا يتحقق بمجرد المعرفة النظرية، وإنما بتزكية النفس، وترسيخ الإخلاص، وتحويل القيم إلى سلوك عملي، ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ، وهي قاعدة قرآنية تجسد الأساس الذي سار عليه الإمام السجاد (عليه السلام) في مشروعه الإصلاحي، كما يبرز البعد التربوي للدعاء في طلب الإمام التحلي بالفضائل العملية، إذ يقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَحَلِّنِي بِحِلْيَةِ الصَّالِحِينَ، وَأَلْبِسْنِي زِينَةَ الْمُتَّقِينَ، فِي بَسْطِ الْعَدْلِ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ، وَإِطْفَاءِ النَّائِرَةِ، وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ» ولا يقتصر هذا الدعاء على تزكية الفرد، بل يتعدى ذلك إلى إصلاح المجتمع؛ فالعدل، وكظم الغيظ، وإطفاء الفتن، وإصلاح العلاقات الاجتماعية، تمثل قواعد لبناء مجتمع تسوده الرحمة والتكافل. وهذا يدل على أن الدعاء عند الإمام السجاد (عليه السلام) كان مدرسةً لإعداد الإنسان الرسالي، لا مجرد ألفاظ يتقرب بها العبد إلى الله تعالى. ثانيًا: الدعاء وبناء المجتمع في فكر الإمام زين العابدين (عليه السلام) لم يقف المشروع الإصلاحي للإمام زين العابدين (عليه السلام) عند حدود إصلاح الفرد، بل اتجه إلى بناء مجتمعٍ متكامل يقوم على العدل، والتراحم، وصيانة الحقوق، وإحياء روح المسؤولية الجماعية، ولذلك نجد أن الصحيفة السجادية لم تقتصر على الأدعية الخاصة بالنفس، وإنما اشتملت على أدعية للوالدين، والأولاد، والجيران، والأصدقاء، وأهل الثغور، وحملة القرآن، وعامة المسلمين، بما يكشف عن رؤية حضارية شاملة تجعل الإنسان عنصرًا فاعلًا في إصلاح المجتمع، ومن أبرز الأدعية التي تجسد هذا البعد الاجتماعي دعاؤه (عليه السلام) لأهل الثغور، إذ يقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَحَصِّنْ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ بِعِزَّتِكَ، وَأَيِّدْ حُمَاتَهَا بِقُوَّتِكَ، وَأَسْبِغْ عَطَايَاهُمْ مِنْ جِدَتِكَ.» ويكشف هذا الدعاء أن الإمام (عليه السلام) لم يكن منعزلًا عن قضايا الأمة، بل كان حاضرًا في همومها السياسية والاجتماعية والأمنية، إلا أنه عبّر عن ذلك بلغة الدعاء التي تغرس روح المسؤولية في النفوس، وتربط حماية المجتمع بالتوكل على الله والأخذ بأسباب القوة، ومن جهة أخرى، لم يغفل الإمام (عليه السلام) عن إصلاح العلاقات الإنسانية داخل المجتمع، فدعا إلى إزالة أسباب العداوة وترسيخ ثقافة الصفح والإحسان، فقال في دعاء مكارم الأخلاق: «اللَّهُمَّ وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَالَنِي مِنْهُ أَذًى، أَوْ مَسَّنِي مِنْهُ مَكْرُوهٌ، فَهَبْهُ لِي، وَتَصَدَّقْ عَلَيْهِ بِحَقِّي عَلَيْهِ» ويُعد هذا النص من أسمى النصوص التربوية في بناء ثقافة التسامح؛ إذ ينقل الإنسان من دائرة الانتقام إلى دائرة العفو، ومن رد الإساءة بالإساءة إلى مقابلتها بالإحسان، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ولا يكتمل البناء الاجتماعي في فكر الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلا بصيانة الحقوق، ولذلك جاءت رسالة الحقوق لتكون امتدادًا عمليًا لما قررته الصحيفة السجادية. فقد افتتح الإمام رسالته بقوله: «اعْلَمْ – رَحِمَكَ اللَّهُ – أَنَّ لِلَّهِ عَلَيْكَ حُقُوقًا مُحِيطَةً بِكَ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكْتَهَا، أَوْ سَكَنَةٍ سَكَنْتَهَا، أَوْ مَنْزِلَةٍ نَزَلْتَهَا، أَوْ جَارِحَةٍ قَلَّبْتَهَا، أَوْ آلَةٍ تَصَرَّفْتَ بِهَا» ويُفهم من هذا النص أن الحقوق في التصور الإسلامي ليست مقتصرة على العلاقة بين الإنسان والآخرين، بل تبدأ بحق الله تعالى، ثم بحق النفس، ثم بحقوق الأسرة، والجيران، وأهل العلم، والحاكم والمحكوم، وسائر أفراد المجتمع. ومن هنا تتأسس منظومة الإصلاح على احترام الحقوق قبل المطالبة بها، وعلى أداء الواجب قبل انتظار المقابل، وهي رؤية تسبق كثيرًا من النظريات الحديثة في الفكر الحقوقي ، وتبرز أهمية هذا المنهج في الواقع المعاصر؛ إذ تعاني المجتمعات من اتساع دائرة النزاعات، وضعف الروابط الأسرية، وتراجع ثقافة المسؤولية، الأمر الذي يجعل العودة إلى مدرسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) ضرورةً تربوية وثقافية، لا باعتبارها تراثًا تاريخيًا، بل مشروعًا قادرًا على بناء الإنسان المعاصر، وإحياء روح التراحم والتكافل والالتزام الأخلاقي. ومن هنا يتضح أن الدعاء في فكر الإمام السجاد (عليه السلام) لم يكن انعزالًا عن المجتمع، بل كان وسيلةً لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وترسيخ منظومة القيم التي تحفظ للأمة وحدتها، وتصون كرامة الإنسان، وتجعله عنصرًا فاعلًا في تحقيق الإصلاح الشامل. ثالثًا: قراءة معاصرة في منهج الإمام زين العابدين (عليه السلام) . إن المتأمل في الصحيفة السجادية يدرك أنها ليست كتاب أدعية بالمعنى المتعارف، وإنما هي مشروع حضاري متكامل لإعادة بناء الإنسان على أساس الإيمان والعلم والأخلاق، ومن هنا فإن استحضار منهج الإمام زين العابدين (عليه السلام) في العصر الحاضر لا يقتصر على قراءة أدعيته أو التبرك بها، بل يقتضي استيعاب مضامينها وتحويلها إلى ثقافة وسلوك وممارسة في حياة الفرد والمجتمع، لقد واجه الإمام (عليه السلام) مجتمعًا أنهكته الفتن، وضعفت فيه القيم، وشاعت مظاهر الظلم والانحراف، فبدأ بإصلاح الإنسان من داخله، لأن التغيير الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، وإنما يبدأ بتغيير الفكر والوجدان، وهو ما ينسجم مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ، ومن أبرز القضايا التي أولتها الصحيفة السجادية اهتمامًا كبيرًا قضية محاسبة النفس، إذ إن الإنسان لا يستطيع إصلاح مجتمعه ما لم يبدأ بإصلاح ذاته. ولذلك يناجي الإمام ربه قائلًا: «اللَّهُمَّ لَا تَدَعْ خَصْلَةً تُعَابُ مِنِّي إِلَّا أَصْلَحْتَهَا، وَلَا عَائِبَةً أُلَامُ بِهَا إِلَّا حَسَّنْتَهَا، وَلَا أُكْرُومَةً فِيَّ نَاقِصَةً إِلَّا أَتْمَمْتَهَا» ويبرز في هذا الدعاء منهجٌ تربوي قائم على التقويم الذاتي المستمر؛ فالإمام لا يطلب من الله النعم المادية، وإنما يسأله إصلاح العيوب، وإكمال الفضائل، والارتقاء بالشخصية الإنسانية، وهو ما تحتاج إليه المجتمعات المعاصرة في ظل الأزمات الأخلاقية والفكرية، كما تؤكد الصحيفة السجادية أن الإصلاح لا ينفصل عن الرحمة بالناس، ولذلك يقول الإمام (عليه السلام): «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِمَا تَسْأَلُنِي غَدًا عَنْهُ.» ويؤسس هذا الدعاء لمبدأ المسؤولية الأخلاقية؛ إذ يربط بين عمل الإنسان في الدنيا ومساءلته يوم القيامة، الأمر الذي يجعل الضمير الديني رقيبًا على السلوك حتى في غياب الرقابة الخارجية ومن خلال هذه الرؤية يتضح أن الإصلاح في مدرسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) يقوم على مجموعة من المرتكزات، أهمها: تعميق الصلة بالله تعالى، وتهذيب النفس، وإحياء مكارم الأخلاق، وصيانة الحقوق، وبناء العلاقات الاجتماعية على أساس الرحمة والعدل، وهي مرتكزات لا تزال قادرة على معالجة كثير من التحديات الفكرية والتربوية التي تواجه الإنسان في العصر الحديث، الدعاء وسيلةً لبناء الإنسان وإحياء المجتمع، ولم يكن الدعاء في مدرسته مجرد ألفاظ تُتلى، بل خطابًا عقديًا، ومنهجًا تربويًا، ومشروعًا أخلاقيًا متكاملًا. وقد كشفت الصحيفة السجادية عن رؤية عميقة للإنسان بوصفه محور الإصلاح، وربطت بين تزكية النفس، وإقامة العدل، وصيانة الحقوق، وإشاعة روح الرحمة والتكافل بين أفراد المجتمع، وتؤكد القراءة المعاصرة للصحيفة السجادية أن مضامينها لا تزال تحتفظ بحيويتها وقدرتها على الإسهام في معالجة كثير من أزمات الواقع، سواء على مستوى الفرد أم الأسرة أم المجتمع، لأنها تؤسس لإصلاح ينطلق من الداخل، ويستند إلى الوعي والإيمان، وينعكس سلوكًا حضاريًا في مختلف مجالات الحياة. -------------------------------------------------------- (الإمام علي بن الحسين زين العابدين، الصحيفة السجادية، تحقيق: السيد محمد باقر الموحد الأبطحي، مؤسسة الإمام المهدي (عج)، قم، ط1، 1415هـ، الدعاء العشرون: «مكارم الأخلاق») (الإمام علي بن الحسين زين العابدين، الصحيفة السجادية، تحقيق: السيد محمد باقر الموحد الأبطحي، مؤسسة الإمام المهدي (عج)، قم، ط1، 1415هـ، الدعاء السابع والعشرون: «دعاؤه لأهل الثغور»). (الإمام علي بن الحسين زين العابدين، «رسالة الحقوق»، ضمن: ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول (ص)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1404هـ، ص 255).»
لهيب الولاء
منذ أن خلق الله تعالى الإنسان، أولى للحالة النفسية أهمية كبيرة؛ لما لها من أثر بالغ في قلبه ومزاجه وسلوكه، وبالتالي في عبادته وعلاقته بربه، فالإنسان يمر بحالات نفسية متعددة تبعاً للظروف والمواقف التي يواجهها، فقد يكون سعيداً أو متفائلاً، وقد يعتريه الحزن أو الاكتئاب، ويُعدّ الجزع من أشد صور الحزن والاضطراب النفسي وأقساها على الإنسان. وروي عَن جابر عن الإمام الباقر عليه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ مَا الْجَزَعُ؟ قَالَ: "أَشَدُّ الْجَزَعِ الصُّرَاخُ بِالْوَيْلِ وَالْعَوِيلِ وَلَطْمُ الْوَجْهِ وَالصَّدْرِ وَجَزُّ الشَّعْرِ مِنَ‏ النَّوَاصِي،‏ وَمَنْ أَقَامَ النُّوَاحَةَ فَقَدْ تَرَكَ الصَّبْرَ وَأَخَذَ فِي غَيْرِ طَرِيقِهِ‏، وَمَنْ صَبَرَ وَاسْتَرْجَعَ وَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ رَضِيَ بِمَا صَنَعَ اللَّهُ وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهوَ ذَمِيمٌ‏ وَأَحْبَطَ اللَّهُ تَعَالَى أَجْرَهُ"(1). ونرى البعض عند المصيبة صابراً محتسباً، لكن للأسف الشديد لا يخلو الحال عند البعض من الناس عندما يمرون بظروف صعبة يبدؤون باللطم والبكاء خصوصاً عند فقد الأحبة أو الخسائر المالية الكبيرة، وهذا هو الجزع الذي نها عنه الإمام (سلام الله عليه) ولكن بالمقابل يوجد جزع مستحب؛ وهو الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام)، منها: ما ورد عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): "كلّ الجزع والبكاء مكروه، سوى الجزع والبكاء على الحسين (عليه السلام) (2)" ومنها خبر مسمع البصري: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): " أما تذكر ما صُنع به الحسين؟ قلت: نعم. قال: فتجزع؟ قلت: إي واللهِ، واستعبر لذلك، حتّى يرى أهلي أثر ذلك عليّ، فامتنع عن الطعام، حتـّى يستبينَ ذلك في وجهي، قال (عليه السلام): رحم الله دمعتك، أما إنك من الذين يُعدّون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنّا" (3). ومن مصاديق جواز الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام) ما قاله دعبل في محضر الإمام الرضا (عليه السلام)، مع سكوت المعصوم وإقراره دليل على رضاه عن الجزع، هو قول الشاعر: أفاطم لو خلت الحسين مُجدّلاً * وقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ اذاً للطمتِ الخَدّ فاطمُ عنده * وأجريت دمع العين في الوجناتِ(4) واللطم هنا هو باب من أبواب الجزع، ولا ننسى ماروي عن الإمام جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: "نَظَرَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلَى اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هُوَ مُقْبِلٌ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ وَ قَالَ إِنَّ لِقَتْلِ اَلْحُسَيْنِ حَرَارَةً فِي قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ لاَ تَبْرُدُ أَبَداً"(5). ------------------------- 1) الکافي ج۳ ص۲۲۲ 2) أمالي الطوسي: 162 حديث (20) المجلس السادس. 3) كامل الزيارات - ط مكتبة الصدوق، ج 1، ص 108 | ابن قولويه القمي. 4) من ادب الطف...6 (أَفاطِمُ لَوْ خِلْتِ الْحُسَيْنَ مُجَدَّلا) دعبل الخزاعي. 5) مستدرك وسائل الشيعة: 10 / 318. بقلم: عهود العارضي
"سفير الحق"
"سفير الحق" في تاريخٍ امتلأ بالمواقف العظيمة، تبقى بعض الشخصيات حاضرة بقوة لأنها لم تساوم على الحق، ولم تتراجع في لحظات الشدة. ومن بين هذه الأسماء يبرز مسلم بن عقيل عليه السلام، سفير الإمام الحسين عليه السلام إلى الكوفة، والذي مثّل صورة صادقة للوفاء حين تخلّى عنه الجميع. ينتمي مسلم بن عقيل إلى بيتٍ عُرف بالإيمان والشجاعة، فهو ابن عقيل بن أبي طالب، وقد نشأ في كنف عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فتربّى على مبادئ الحق والعدل. ولم تكن مكانته عادية، بل كان موضع ثقة الإمام الحسين عليه السلام، كما جاء في قوله: «وإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل». (تاريخ الطبري ج4 ص262) خرج مسلم إلى الكوفة وهو يحمل هذه الثقة، فاستقبله أهلها بحفاوة، وبايعه الآلاف على نصرة الإمام الحسين عليه السلام، فكتب إلى الإمام يصف له ما رآه من تأييد. غير أن هذه البيعة لم تصمد طويلًا؛ إذ تبدلت الأحوال بسرعة بعد أن أحكم عبيد الله بن زياد سيطرته، ونشر الخوف بين الناس، فتفرقوا عن مسلم واحدًا تلو الآخر، حتى بقي وحيدًا. وفي تلك اللحظات التي يُختبر فيها صدق الرجال، ثبت مسلم بن عقيل عليه السلام على موقفه، فلم يتراجع ولم يبدل. واجه مصيره بشجاعة، وقاتل حتى أُسر، ثم مضى إلى الشهادة مرفوع الرأس. وقد ورد أنه أول من قُتل من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام. (مقاتل الطالبيين ص52) ولم تقف المأساة عند حد استشهاده، بل تجاوزت ذلك إلى انتهاك حرمته بعد الموت، حيث كان أول شهيد في الإسلام تُسحب جثته، فلم يُنقل عن أحد قبله أن جُرّ جسده بتلك الصورة المؤلمة. كما كان أول من حُمل رأسه من بني هاشم، إذ قُطع رأسه وأُرسل إلى يزيد بن معاوية في الشام، في مشهدٍ يجسّد قسوة الظلم وانحطاطه (مروج الذهب ج2 ص10). ورغم كل ما جرى، لم ينتهِ أثر مسلم بن عقيل عليه السلام عند حدود تلك اللحظة، بل بقي اسمه شاهدًا على معنى الوفاء الحقيقي. لقد كان موقفه تمهيدًا لما سيجري في كربلاء، وصوتًا يسبق نداء الإمام الحسين عليه السلام، ليؤكد أن طريق الحق قد يكون موحشًا، لكنه لا يُسلك إلا بثباتٍ ويقين. سلامٌ على مسلم بن عقيل يوم وُلد، ويوم ثبت حين تفرّق الناس عنه، ويوم استُشهد غريبًا، وسيبقى ذكره حيًا ما بقي للحق أنصار. بقلم الكاتبة: إسراء جاسم
حين بكت الذاكرة بصمت
لم يكن الثامن من شوال سنة 1344هـ يومًا عابرًا في وجدان المسلمين، بل كان لحظةً ثقيلة انكسر فيها شيءٌ عميق في القلب. في ذلك اليوم، لم تُهدم حجارة فحسب، بل سقطت معالم كانت تختزن تاريخًا من الحب والوفاء، وامتدادًا لذكرياتٍ ارتبطت بأئمةٍ ملأوا الدنيا علمًا وصبرًا ونورًا. هناك، في البقيع، كانت القباب تقف كأنها تحرس السكون، وتروي بصمتٍ حكاياتٍ عن الإمام الحسن، وزين العابدين، والباقر، والصادق عليهم السلام. لم تكن مجرد بناءٍ من طينٍ وحجر، بل كانت رمزًا لعلاقةٍ وجدانية بين الأمة وأهل بيت نبيها (صلى الله عليه وآله). علاقة لا تُقاس بالشكل، بل بما تحمله من محبةٍ متجذّرة في القلوب. وحين أُزيلت تلك القباب، شعر المؤمنون أن شيئًا من ذاكرتهم قد أُخذ منهم. لم يكن المشهد مجرد تغييرٍ في معالم مكان، بل كان فَقْدًا موجعًا لرمزٍ طالما احتضن الدعاء والدموع والحنين. وقد رأى المؤمنين في ذلك الفعل خطأً قاسيًا، إذ لم تُراعَ فيه حرمة المكان ولا مكانة من يرقد فيه. ومنذُ ذلك الحين، والبقيع يعيش بصمتٍ ثقيل… أرضٌ بلا ملامح، لكنها مثقلة بالذكريات. زائره يقف حائرًا، كأنما يبحث عن أثرٍ يواسي قلبه، أو علامةٍ تُعيد إليه شيئًا من الطمأنينة. لكنه لا يجد سوى الفراغ… فراغٍ يختصر حجم الألم. ومع ذلك، لا ينطفئ الأمل. في عمق هذا الحزن، تنبض قلوب المؤمنين برجاءٍ كبير، بأن يعود للبقيع بهاؤه، وأن تُعاد لتلك القبور هيبتها التي تليق بها. أملٌ يرتبط بوعدٍ موعود، بظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، ليعيد للأماكن قدسيتها، وللذكريات حقّها، وللقلوب بعض سكينتها. فالبقيع اليوم ليس مجرد أرضٍ صامتة… بل هو جرحٌ مفتوح في الذاكرة، ودعاءٌ لا ينقطع، وحنينٌ يمتد عبر السنين… ينتظر الفرج. بقلم: إسراء جاسم
المناعة الفكرية
بقلم مروة قاسم
الدُّعاء
بقلم مروة قاسم
الإلحَادُ المُقَنَّع
بقلم: مروة قاسم