منبر الدعاء ومنهج الإصلاح بقلم: براءة محمود العداي
منبر الدعاء ومنهج الإصلاح: قراءة معاصرة في فكر الإمام زين العابدين (عليه السلام) بقلم: براءة محمود العداي. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطاهرين، شكّلت مرحلة ما بعد واقعة الطف منعطفًا خطيرًا في تاريخ الأمة الإسلامية، إذ لم تقتصر آثارها على الجانب السياسي، بل امتدت إلى البنية الفكرية والأخلاقية والاجتماعية للمجتمع الإسلامي. وفي خضم هذه الظروف برز الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) بوصفه قائدًا ربانيًا حمل مسؤولية إعادة بناء الإنسان المسلم، فاختار منهجًا إصلاحيًا هادئًا يقوم على ترسيخ العقيدة، وتهذيب النفس، وإحياء القيم الإسلامية من خلال الدعاء والمناجاة، ولم يكن الدعاء عنده مجرد وسيلة للتعبد، وإنما أصبح خطابًا تربويًا وثقافيًا، ومنبرًا للإصلاح الشامل، استطاع من خلاله أن يصنع وعيًا إيمانيًا حافظ على هوية الأمة في مرحلةٍ كانت من أشد مراحلها اضطرابًا، ولهذا اكتسبت الصحيفة السجادية مكانةً علميةً وروحيةً رفيعة، حتى عُرفت بين العلماء بـ«زبور آل محمد»، لما تضمنته من معارف عقدية، وأبعاد أخلاقية، وإصلاحات تربوية واجتماعية، تعكس رؤية الإمام (عليه السلام) لبناء الإنسان الصالح والمجتمع المتماسك، ويهدف هذا المقال إلى بيان معالم المنهج الإصلاحي في فكر الإمام زين العابدين (عليه السلام)، من خلال الوقوف على مضامين الصحيفة السجادية، وبيان امتداداتها التربوية والاجتماعية، وقراءتها قراءةً معاصرة تستجيب لتحديات الواقع. أولًا: الدعاء مناجاةٌ لله ومنهجٌ لإصلاح الإنسان يقوم المشروع الإصلاحي للإمام زين العابدين (عليه السلام) على مبدأٍ أساس، وهو أن إصلاح المجتمع يبدأ بإصلاح الإنسان، وأن القلب إذا استقام استقامت الجوارح، وإذا صلحت النفس صلح السلوك. ولذلك جاءت أدعية الصحيفة السجادية لتربي الإنسان على المراقبة الذاتية، ومحاسبة النفس، وتعميق الإيمان، وربط العمل بالإخلاص ، ومن أبلغ النصوص الدالة على ذلك ما جاء في دعاء مكارم الأخلاق: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَبَلِّغْ بِإِيمَانِي أَكْمَلَ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْ يَقِينِي أَفْضَلَ الْيَقِينِ، وَانْتَهِ بِنِيَّتِي إِلَى أَحْسَنِ النِّيَّاتِ، وَبِعَمَلِي إِلَى أَحْسَنِ الْأَعْمَالِ». ويكشف هذا الدعاء أن الإصلاح في منظور الإمام (عليه السلام) يبدأ من الداخل؛ إذ يربط بين الإيمان واليقين والنية والعمل، وهي المكونات الأساسية للشخصية المؤمنة، ومن هنا فإن بناء الإنسان لا يتحقق بمجرد المعرفة النظرية، وإنما بتزكية النفس، وترسيخ الإخلاص، وتحويل القيم إلى سلوك عملي، ويؤكد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ، وهي قاعدة قرآنية تجسد الأساس الذي سار عليه الإمام السجاد (عليه السلام) في مشروعه الإصلاحي، كما يبرز البعد التربوي للدعاء في طلب الإمام التحلي بالفضائل العملية، إذ يقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَحَلِّنِي بِحِلْيَةِ الصَّالِحِينَ، وَأَلْبِسْنِي زِينَةَ الْمُتَّقِينَ، فِي بَسْطِ الْعَدْلِ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ، وَإِطْفَاءِ النَّائِرَةِ، وَإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ» ولا يقتصر هذا الدعاء على تزكية الفرد، بل يتعدى ذلك إلى إصلاح المجتمع؛ فالعدل، وكظم الغيظ، وإطفاء الفتن، وإصلاح العلاقات الاجتماعية، تمثل قواعد لبناء مجتمع تسوده الرحمة والتكافل. وهذا يدل على أن الدعاء عند الإمام السجاد (عليه السلام) كان مدرسةً لإعداد الإنسان الرسالي، لا مجرد ألفاظ يتقرب بها العبد إلى الله تعالى. ثانيًا: الدعاء وبناء المجتمع في فكر الإمام زين العابدين (عليه السلام) لم يقف المشروع الإصلاحي للإمام زين العابدين (عليه السلام) عند حدود إصلاح الفرد، بل اتجه إلى بناء مجتمعٍ متكامل يقوم على العدل، والتراحم، وصيانة الحقوق، وإحياء روح المسؤولية الجماعية، ولذلك نجد أن الصحيفة السجادية لم تقتصر على الأدعية الخاصة بالنفس، وإنما اشتملت على أدعية للوالدين، والأولاد، والجيران، والأصدقاء، وأهل الثغور، وحملة القرآن، وعامة المسلمين، بما يكشف عن رؤية حضارية شاملة تجعل الإنسان عنصرًا فاعلًا في إصلاح المجتمع، ومن أبرز الأدعية التي تجسد هذا البعد الاجتماعي دعاؤه (عليه السلام) لأهل الثغور، إذ يقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَحَصِّنْ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ بِعِزَّتِكَ، وَأَيِّدْ حُمَاتَهَا بِقُوَّتِكَ، وَأَسْبِغْ عَطَايَاهُمْ مِنْ جِدَتِكَ.» ويكشف هذا الدعاء أن الإمام (عليه السلام) لم يكن منعزلًا عن قضايا الأمة، بل كان حاضرًا في همومها السياسية والاجتماعية والأمنية، إلا أنه عبّر عن ذلك بلغة الدعاء التي تغرس روح المسؤولية في النفوس، وتربط حماية المجتمع بالتوكل على الله والأخذ بأسباب القوة، ومن جهة أخرى، لم يغفل الإمام (عليه السلام) عن إصلاح العلاقات الإنسانية داخل المجتمع، فدعا إلى إزالة أسباب العداوة وترسيخ ثقافة الصفح والإحسان، فقال في دعاء مكارم الأخلاق: «اللَّهُمَّ وَأَيُّمَا عَبْدٍ نَالَنِي مِنْهُ أَذًى، أَوْ مَسَّنِي مِنْهُ مَكْرُوهٌ، فَهَبْهُ لِي، وَتَصَدَّقْ عَلَيْهِ بِحَقِّي عَلَيْهِ» ويُعد هذا النص من أسمى النصوص التربوية في بناء ثقافة التسامح؛ إذ ينقل الإنسان من دائرة الانتقام إلى دائرة العفو، ومن رد الإساءة بالإساءة إلى مقابلتها بالإحسان، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ ولا يكتمل البناء الاجتماعي في فكر الإمام زين العابدين (عليه السلام) إلا بصيانة الحقوق، ولذلك جاءت رسالة الحقوق لتكون امتدادًا عمليًا لما قررته الصحيفة السجادية. فقد افتتح الإمام رسالته بقوله: «اعْلَمْ – رَحِمَكَ اللَّهُ – أَنَّ لِلَّهِ عَلَيْكَ حُقُوقًا مُحِيطَةً بِكَ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ تَحَرَّكْتَهَا، أَوْ سَكَنَةٍ سَكَنْتَهَا، أَوْ مَنْزِلَةٍ نَزَلْتَهَا، أَوْ جَارِحَةٍ قَلَّبْتَهَا، أَوْ آلَةٍ تَصَرَّفْتَ بِهَا» ويُفهم من هذا النص أن الحقوق في التصور الإسلامي ليست مقتصرة على العلاقة بين الإنسان والآخرين، بل تبدأ بحق الله تعالى، ثم بحق النفس، ثم بحقوق الأسرة، والجيران، وأهل العلم، والحاكم والمحكوم، وسائر أفراد المجتمع. ومن هنا تتأسس منظومة الإصلاح على احترام الحقوق قبل المطالبة بها، وعلى أداء الواجب قبل انتظار المقابل، وهي رؤية تسبق كثيرًا من النظريات الحديثة في الفكر الحقوقي ، وتبرز أهمية هذا المنهج في الواقع المعاصر؛ إذ تعاني المجتمعات من اتساع دائرة النزاعات، وضعف الروابط الأسرية، وتراجع ثقافة المسؤولية، الأمر الذي يجعل العودة إلى مدرسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) ضرورةً تربوية وثقافية، لا باعتبارها تراثًا تاريخيًا، بل مشروعًا قادرًا على بناء الإنسان المعاصر، وإحياء روح التراحم والتكافل والالتزام الأخلاقي. ومن هنا يتضح أن الدعاء في فكر الإمام السجاد (عليه السلام) لم يكن انعزالًا عن المجتمع، بل كان وسيلةً لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وترسيخ منظومة القيم التي تحفظ للأمة وحدتها، وتصون كرامة الإنسان، وتجعله عنصرًا فاعلًا في تحقيق الإصلاح الشامل. ثالثًا: قراءة معاصرة في منهج الإمام زين العابدين (عليه السلام) . إن المتأمل في الصحيفة السجادية يدرك أنها ليست كتاب أدعية بالمعنى المتعارف، وإنما هي مشروع حضاري متكامل لإعادة بناء الإنسان على أساس الإيمان والعلم والأخلاق، ومن هنا فإن استحضار منهج الإمام زين العابدين (عليه السلام) في العصر الحاضر لا يقتصر على قراءة أدعيته أو التبرك بها، بل يقتضي استيعاب مضامينها وتحويلها إلى ثقافة وسلوك وممارسة في حياة الفرد والمجتمع، لقد واجه الإمام (عليه السلام) مجتمعًا أنهكته الفتن، وضعفت فيه القيم، وشاعت مظاهر الظلم والانحراف، فبدأ بإصلاح الإنسان من داخله، لأن التغيير الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، وإنما يبدأ بتغيير الفكر والوجدان، وهو ما ينسجم مع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ، ومن أبرز القضايا التي أولتها الصحيفة السجادية اهتمامًا كبيرًا قضية محاسبة النفس، إذ إن الإنسان لا يستطيع إصلاح مجتمعه ما لم يبدأ بإصلاح ذاته. ولذلك يناجي الإمام ربه قائلًا: «اللَّهُمَّ لَا تَدَعْ خَصْلَةً تُعَابُ مِنِّي إِلَّا أَصْلَحْتَهَا، وَلَا عَائِبَةً أُلَامُ بِهَا إِلَّا حَسَّنْتَهَا، وَلَا أُكْرُومَةً فِيَّ نَاقِصَةً إِلَّا أَتْمَمْتَهَا» ويبرز في هذا الدعاء منهجٌ تربوي قائم على التقويم الذاتي المستمر؛ فالإمام لا يطلب من الله النعم المادية، وإنما يسأله إصلاح العيوب، وإكمال الفضائل، والارتقاء بالشخصية الإنسانية، وهو ما تحتاج إليه المجتمعات المعاصرة في ظل الأزمات الأخلاقية والفكرية، كما تؤكد الصحيفة السجادية أن الإصلاح لا ينفصل عن الرحمة بالناس، ولذلك يقول الإمام (عليه السلام): «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِمَا تَسْأَلُنِي غَدًا عَنْهُ.» ويؤسس هذا الدعاء لمبدأ المسؤولية الأخلاقية؛ إذ يربط بين عمل الإنسان في الدنيا ومساءلته يوم القيامة، الأمر الذي يجعل الضمير الديني رقيبًا على السلوك حتى في غياب الرقابة الخارجية ومن خلال هذه الرؤية يتضح أن الإصلاح في مدرسة الإمام زين العابدين (عليه السلام) يقوم على مجموعة من المرتكزات، أهمها: تعميق الصلة بالله تعالى، وتهذيب النفس، وإحياء مكارم الأخلاق، وصيانة الحقوق، وبناء العلاقات الاجتماعية على أساس الرحمة والعدل، وهي مرتكزات لا تزال قادرة على معالجة كثير من التحديات الفكرية والتربوية التي تواجه الإنسان في العصر الحديث، الدعاء وسيلةً لبناء الإنسان وإحياء المجتمع، ولم يكن الدعاء في مدرسته مجرد ألفاظ تُتلى، بل خطابًا عقديًا، ومنهجًا تربويًا، ومشروعًا أخلاقيًا متكاملًا. وقد كشفت الصحيفة السجادية عن رؤية عميقة للإنسان بوصفه محور الإصلاح، وربطت بين تزكية النفس، وإقامة العدل، وصيانة الحقوق، وإشاعة روح الرحمة والتكافل بين أفراد المجتمع، وتؤكد القراءة المعاصرة للصحيفة السجادية أن مضامينها لا تزال تحتفظ بحيويتها وقدرتها على الإسهام في معالجة كثير من أزمات الواقع، سواء على مستوى الفرد أم الأسرة أم المجتمع، لأنها تؤسس لإصلاح ينطلق من الداخل، ويستند إلى الوعي والإيمان، وينعكس سلوكًا حضاريًا في مختلف مجالات الحياة. -------------------------------------------------------- (الإمام علي بن الحسين زين العابدين، الصحيفة السجادية، تحقيق: السيد محمد باقر الموحد الأبطحي، مؤسسة الإمام المهدي (عج)، قم، ط1، 1415هـ، الدعاء العشرون: «مكارم الأخلاق») (الإمام علي بن الحسين زين العابدين، الصحيفة السجادية، تحقيق: السيد محمد باقر الموحد الأبطحي، مؤسسة الإمام المهدي (عج)، قم، ط1، 1415هـ، الدعاء السابع والعشرون: «دعاؤه لأهل الثغور»). (الإمام علي بن الحسين زين العابدين، «رسالة الحقوق»، ضمن: ابن شعبة الحراني، تحف العقول عن آل الرسول (ص)، تحقيق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الإسلامي، قم، ط2، 1404هـ، ص 255).»
لهيب الولاء
منذ أن خلق الله تعالى الإنسان، أولى للحالة النفسية أهمية كبيرة؛ لما لها من أثر بالغ في قلبه ومزاجه وسلوكه، وبالتالي في عبادته وعلاقته بربه، فالإنسان يمر بحالات نفسية متعددة تبعاً للظروف والمواقف التي يواجهها، فقد يكون سعيداً أو متفائلاً، وقد يعتريه الحزن أو الاكتئاب، ويُعدّ الجزع من أشد صور الحزن والاضطراب النفسي وأقساها على الإنسان. وروي عَن جابر عن الإمام الباقر عليه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ مَا الْجَزَعُ؟ قَالَ: "أَشَدُّ الْجَزَعِ الصُّرَاخُ بِالْوَيْلِ وَالْعَوِيلِ وَلَطْمُ الْوَجْهِ وَالصَّدْرِ وَجَزُّ الشَّعْرِ مِنَ‏ النَّوَاصِي،‏ وَمَنْ أَقَامَ النُّوَاحَةَ فَقَدْ تَرَكَ الصَّبْرَ وَأَخَذَ فِي غَيْرِ طَرِيقِهِ‏، وَمَنْ صَبَرَ وَاسْتَرْجَعَ وَحَمِدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ رَضِيَ بِمَا صَنَعَ اللَّهُ وَوَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ، وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَهوَ ذَمِيمٌ‏ وَأَحْبَطَ اللَّهُ تَعَالَى أَجْرَهُ"(1). ونرى البعض عند المصيبة صابراً محتسباً، لكن للأسف الشديد لا يخلو الحال عند البعض من الناس عندما يمرون بظروف صعبة يبدؤون باللطم والبكاء خصوصاً عند فقد الأحبة أو الخسائر المالية الكبيرة، وهذا هو الجزع الذي نها عنه الإمام (سلام الله عليه) ولكن بالمقابل يوجد جزع مستحب؛ وهو الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام)، منها: ما ورد عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام): "كلّ الجزع والبكاء مكروه، سوى الجزع والبكاء على الحسين (عليه السلام) (2)" ومنها خبر مسمع البصري: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): " أما تذكر ما صُنع به الحسين؟ قلت: نعم. قال: فتجزع؟ قلت: إي واللهِ، واستعبر لذلك، حتّى يرى أهلي أثر ذلك عليّ، فامتنع عن الطعام، حتـّى يستبينَ ذلك في وجهي، قال (عليه السلام): رحم الله دمعتك، أما إنك من الذين يُعدّون من أهل الجزع لنا، والذين يفرحون لفرحنا، ويحزنون لحزننا، ويخافون لخوفنا، ويأمنون إذا أمنّا" (3). ومن مصاديق جواز الجزع على الإمام الحسين (عليه السلام) ما قاله دعبل في محضر الإمام الرضا (عليه السلام)، مع سكوت المعصوم وإقراره دليل على رضاه عن الجزع، هو قول الشاعر: أفاطم لو خلت الحسين مُجدّلاً * وقد مات عطشاناً بشطّ فراتِ اذاً للطمتِ الخَدّ فاطمُ عنده * وأجريت دمع العين في الوجناتِ(4) واللطم هنا هو باب من أبواب الجزع، ولا ننسى ماروي عن الإمام جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلاَمُ قَالَ: "نَظَرَ اَلنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ إِلَى اَلْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ وَ هُوَ مُقْبِلٌ فَأَجْلَسَهُ فِي حِجْرِهِ وَ قَالَ إِنَّ لِقَتْلِ اَلْحُسَيْنِ حَرَارَةً فِي قُلُوبِ اَلْمُؤْمِنِينَ لاَ تَبْرُدُ أَبَداً"(5). ------------------------- 1) الکافي ج۳ ص۲۲۲ 2) أمالي الطوسي: 162 حديث (20) المجلس السادس. 3) كامل الزيارات - ط مكتبة الصدوق، ج 1، ص 108 | ابن قولويه القمي. 4) من ادب الطف...6 (أَفاطِمُ لَوْ خِلْتِ الْحُسَيْنَ مُجَدَّلا) دعبل الخزاعي. 5) مستدرك وسائل الشيعة: 10 / 318. بقلم: عهود العارضي
"سفير الحق"
"سفير الحق" في تاريخٍ امتلأ بالمواقف العظيمة، تبقى بعض الشخصيات حاضرة بقوة لأنها لم تساوم على الحق، ولم تتراجع في لحظات الشدة. ومن بين هذه الأسماء يبرز مسلم بن عقيل عليه السلام، سفير الإمام الحسين عليه السلام إلى الكوفة، والذي مثّل صورة صادقة للوفاء حين تخلّى عنه الجميع. ينتمي مسلم بن عقيل إلى بيتٍ عُرف بالإيمان والشجاعة، فهو ابن عقيل بن أبي طالب، وقد نشأ في كنف عمه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، فتربّى على مبادئ الحق والعدل. ولم تكن مكانته عادية، بل كان موضع ثقة الإمام الحسين عليه السلام، كما جاء في قوله: «وإني باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل». (تاريخ الطبري ج4 ص262) خرج مسلم إلى الكوفة وهو يحمل هذه الثقة، فاستقبله أهلها بحفاوة، وبايعه الآلاف على نصرة الإمام الحسين عليه السلام، فكتب إلى الإمام يصف له ما رآه من تأييد. غير أن هذه البيعة لم تصمد طويلًا؛ إذ تبدلت الأحوال بسرعة بعد أن أحكم عبيد الله بن زياد سيطرته، ونشر الخوف بين الناس، فتفرقوا عن مسلم واحدًا تلو الآخر، حتى بقي وحيدًا. وفي تلك اللحظات التي يُختبر فيها صدق الرجال، ثبت مسلم بن عقيل عليه السلام على موقفه، فلم يتراجع ولم يبدل. واجه مصيره بشجاعة، وقاتل حتى أُسر، ثم مضى إلى الشهادة مرفوع الرأس. وقد ورد أنه أول من قُتل من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام. (مقاتل الطالبيين ص52) ولم تقف المأساة عند حد استشهاده، بل تجاوزت ذلك إلى انتهاك حرمته بعد الموت، حيث كان أول شهيد في الإسلام تُسحب جثته، فلم يُنقل عن أحد قبله أن جُرّ جسده بتلك الصورة المؤلمة. كما كان أول من حُمل رأسه من بني هاشم، إذ قُطع رأسه وأُرسل إلى يزيد بن معاوية في الشام، في مشهدٍ يجسّد قسوة الظلم وانحطاطه (مروج الذهب ج2 ص10). ورغم كل ما جرى، لم ينتهِ أثر مسلم بن عقيل عليه السلام عند حدود تلك اللحظة، بل بقي اسمه شاهدًا على معنى الوفاء الحقيقي. لقد كان موقفه تمهيدًا لما سيجري في كربلاء، وصوتًا يسبق نداء الإمام الحسين عليه السلام، ليؤكد أن طريق الحق قد يكون موحشًا، لكنه لا يُسلك إلا بثباتٍ ويقين. سلامٌ على مسلم بن عقيل يوم وُلد، ويوم ثبت حين تفرّق الناس عنه، ويوم استُشهد غريبًا، وسيبقى ذكره حيًا ما بقي للحق أنصار. بقلم الكاتبة: إسراء جاسم
حين بكت الذاكرة بصمت
لم يكن الثامن من شوال سنة 1344هـ يومًا عابرًا في وجدان المسلمين، بل كان لحظةً ثقيلة انكسر فيها شيءٌ عميق في القلب. في ذلك اليوم، لم تُهدم حجارة فحسب، بل سقطت معالم كانت تختزن تاريخًا من الحب والوفاء، وامتدادًا لذكرياتٍ ارتبطت بأئمةٍ ملأوا الدنيا علمًا وصبرًا ونورًا. هناك، في البقيع، كانت القباب تقف كأنها تحرس السكون، وتروي بصمتٍ حكاياتٍ عن الإمام الحسن، وزين العابدين، والباقر، والصادق عليهم السلام. لم تكن مجرد بناءٍ من طينٍ وحجر، بل كانت رمزًا لعلاقةٍ وجدانية بين الأمة وأهل بيت نبيها (صلى الله عليه وآله). علاقة لا تُقاس بالشكل، بل بما تحمله من محبةٍ متجذّرة في القلوب. وحين أُزيلت تلك القباب، شعر المؤمنون أن شيئًا من ذاكرتهم قد أُخذ منهم. لم يكن المشهد مجرد تغييرٍ في معالم مكان، بل كان فَقْدًا موجعًا لرمزٍ طالما احتضن الدعاء والدموع والحنين. وقد رأى المؤمنين في ذلك الفعل خطأً قاسيًا، إذ لم تُراعَ فيه حرمة المكان ولا مكانة من يرقد فيه. ومنذُ ذلك الحين، والبقيع يعيش بصمتٍ ثقيل… أرضٌ بلا ملامح، لكنها مثقلة بالذكريات. زائره يقف حائرًا، كأنما يبحث عن أثرٍ يواسي قلبه، أو علامةٍ تُعيد إليه شيئًا من الطمأنينة. لكنه لا يجد سوى الفراغ… فراغٍ يختصر حجم الألم. ومع ذلك، لا ينطفئ الأمل. في عمق هذا الحزن، تنبض قلوب المؤمنين برجاءٍ كبير، بأن يعود للبقيع بهاؤه، وأن تُعاد لتلك القبور هيبتها التي تليق بها. أملٌ يرتبط بوعدٍ موعود، بظهور الإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف، ليعيد للأماكن قدسيتها، وللذكريات حقّها، وللقلوب بعض سكينتها. فالبقيع اليوم ليس مجرد أرضٍ صامتة… بل هو جرحٌ مفتوح في الذاكرة، ودعاءٌ لا ينقطع، وحنينٌ يمتد عبر السنين… ينتظر الفرج. بقلم: إسراء جاسم
المناعة الفكرية
بقلم مروة قاسم
الدُّعاء
بقلم مروة قاسم
الإلحَادُ المُقَنَّع
بقلم: مروة قاسم
سلب الحجاب بين الحاضر وعاشوراء
بقلم: مروة قاسم
نهضة القيم
بقلم: مروة قاسم
ساقي العطاشى
بقلم: مروة قاسم